العرب في أفغانستان: تاريخ ممتد وحضور راسخ

تُعرف أفغانستان بأنها قلب آسيا، حيث تحتضن عشرات القوميات المختلفة، أبرزها البشتون، الطاجيك، الهزارة، والتركمان، إلى جانب قوميات أخرى، من بينها القومية العربية التي حظيت باعتراف رسمي وذُكرت في النشيد الوطني الأفغاني.
الهجرات العربية إلى أفغانستان
تحدث الحاج غلام محمد عرب، أحد كبار أبناء القومية العربية في أفغانستان، عن تاريخ وصول العرب إلى البلاد، مشيرًا إلى أن الهجرة العربية جاءت على عدة موجات:
- الموجة الأولى: تعود إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين، حيث هاجر العديد من العرب إلى آسيا الوسطى مع الفتوحات الإسلامية، واستقروا في مناطق مثل بخارى في أوزبكستان، ومرو في تركمانستان، ومدن خراسان مثل جرجان في إيران، وبلخ وكابول في أفغانستان.
- الموجة الثانية: حدثت خلال القرن التاسع عشر نتيجة اضطهاد السوفييت للمسلمين في آسيا الوسطى، ما دفع الكثيرين إلى اللجوء إلى شمال أفغانستان، خاصة بلخ. استقبلهم الملك الأفغاني ومنحهم أراضي في بلخ وقندز، حيث أسسوا قرية “إمام صاحب”.
- الموجة الثالثة: جاءت خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان في العصر الحديث، حيث قدم بعض العرب للمشاركة في الجهاد، ومنهم الشهيد عبد الله عزام الذي أسس مكتب خدمات المجاهدين في بيشاور، باكستان، وساهم في تنظيم دخول العرب إلى أفغانستان، ومن أبرزهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
حياة العرب في أفغانستان
يعيش العرب في مناطق جبلية مثل بدخشان وقندز وبامير، ويمارسون أسلوب الحياة الرعوية، حيث ينتقلون مع قطعانهم بين القرى (قشلاق) في الشتاء ومراعي الجبال (إيلاق) في الربيع والصيف، وتستغرق رحلة العودة إلى القرى في الخريف قرابة ثلاثة أسابيع. ورغم أصولهم العربية، فقد اندمجت لغتهم مع اللغات المحلية، ولم يبقَ منها إلا القليل.
مكانة العرب في المجتمع الأفغاني
تحظى بعض القبائل العربية بمكانة مرموقة في المجتمع الأفغاني، وتُعرف بألقاب تميّزها، مثل “السادة” الذين يعود نسبهم إلى آل البيت، و”الخواجات” الذين ينتسبون إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، و”المير” الذين يعودون إلى نسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كما توجد قبائل عربية بارزة مثل الكيلاني، القريشي، الخزاعي، والشيباني.
الاعتراف الرسمي بالقومية العربية
يمثل العرب نحو 20% من سكان أفغانستان، أي ما يقارب 4 إلى 5 ملايين نسمة. وقد حصلوا على الاعتراف الرسمي كقومية في عهد الرئيس حامد كرزاي، حيث أدرجت قوميتهم في الهويات الرسمية، وتم إنشاء أكثر من 200 مدرسة في مناطقهم، ويتولى مجلس شورى العرب في أفغانستان، برئاسة الملا عزة الله عاطف، تمثيلهم.
التقاليد والعادات العربية في أفغانستان
رغم اندماج العرب مع القوميات الأفغانية الأخرى، فإنهم ما زالوا يحافظون على بعض القيم والتقاليد العربية الأصيلة، مثل الكرم وحسن الضيافة. فمثلًا، من عاداتهم الترحيب بأي ضيف لمدة ثلاثة أيام دون سؤاله عن هويته أو سبب قدومه، ولا يُطلب منه الإفصاح عن حاجته إلا في اليوم الثالث، حيث يكون المضيف ملزمًا بتلبية طلبه.
أما في الأعراس، فيصطحب العريس وأسرته قرابة 50 شخصًا من أقاربه، حاملين ثلاثة خراف وبقرة وكميات كبيرة من الحلوى إلى بيت العروس. وبعد الاتفاق على المهر الذي يتراوح بين 4 إلى 5 آلاف دولار، يتم تحديد موعد الزفاف، حيث يُذبح عدد من الخراف ويُطبخ أكثر من 400 كغ من الأرز، ويوزع الطعام على الضيوف والجيران والفقراء.
كما يحتفل عرب هرات بالمولد النبوي بتنظيم فعاليات خاصة تدعو كبار القومية، حيث يتم تقديم الطعام لأكثر من 5,000 شخص بهذه المناسبة.
العرب البارزون في أفغانستان
برز العديد من الشخصيات العربية في التاريخ الأفغاني، من بينهم المفكر جمال الدين الأفغاني، والعالم الصوفي والمفسر الخواجة عبد الله الأنصاري، الذي يُعد ضريحه في هرات معلمًا تاريخيًا مهمًا، إضافة إلى الشاعرة رابعة البلخية، أول شاعرة في تاريخ الأدب الفارسي، التي كتبت شعرها باللغتين العربية والفارسية.